عبد الكريم الخطيب
662
التفسير القرآنى للقرآن
سبحانه وتعالى من علم لا يعلمه أحد ، وإلى أن الناس لا يعلمون من علم اللّه شيئا ، حتى هذه الأمور المتصلة بهم ، كتلك الجنود الخفية التي أحدثت هذه الآثار ، على حين أن اللّه سبحانه يعلم من أمر الناس ما يسرّون وما يعلنون ، علم مشاهدة . . « وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً » . . فهو على كاشف لكل شئ ، كالعلم الذي يقع عن نظر وشهود بالنسبة لنا ، على خلاف العلم المطلق ، فقد يقع عن حدس وظن . . وهذا هو بعض السر في جعل فاصلة الآية : « بصيرا » بدل « عليما » . . ! فعلم اللّه سبحانه ، علم شهادة : « لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ » . قوله تعالى : « إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا » . هنا تبدأ الآيات في تفصيل ما أجملته الآية السابقة من أحداث هذه القصة . . فهؤلاء الجنود الذين جاءوا إلى المسلمين ، قد جاءوهم من فوقهم ، أي من نجد ، ومن أسفل منهم ، أي من تهامة . . وهذا يعنى أنهم قد أطبقوا على المسلمين من كل جهة ، فتمكنوا منهم ، وسدّوا منافذ النجاة عليهم . . وفي قوله تعالى : « وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » تصوير للحال التي استولت على المسلمين من هذا الخطر الزاحف عليهم . . وزيغان الأبصار ، كناية عن الكرب الذي دخل على المسلمين ، حتى اضطرب لذلك تفكيرهم ، وغابت وجوه الرأي عنهم ، فلم يتبينوا ما ذا يأخذون أو يدعون من أمرهم . . وبلوغ القلوب الحناجر ، كناية أخرى عن هذا الكرب ، وأنه أزال القلوب عن مواضعها ، بما أحدث فيها هذا الكرب من اضطراب وخفقان .